آلية اختيار القائد في إيران بعد اغتيال المرشد الأعلى الإيراني وصلاحياته الدستورية
ايران بالعراقي
تنصّ المادة 111 من الدستور الإيراني بوضوح على الإجراءات الواجب اتخاذها في حال عجز القائد عن أداء مهامه، أو وفاته، أو استقالته، أو عزله. وفقاً لهذه المادة، فإن مجلس خبراء القيادة المكون من 88 عضواً من رجال الدين الشيعة، و5 من رجال الدين السنّة الإيرانيين، هو الجهة الوحيدة المخولة قانوناً بتشخيص هذه الحالات وتحديد البديل.
وفي الحالات التي يحدث فيها فراغ في منصب القيادة، سواء بالوفاة أو الاستقالة أو العزل، يُلزم الدستور مجلس الخبراء بالتحرك “في أسرع وقت ممكن” لاختيار وتعيين قائد جديد. ولكن، ولضمان استمرارية عمل الدولة ومنع أي فراغ في السلطة خلال الفترة الانتقالية، ينص الدستور على تشكيل مجلس مؤقت يتولى جميع مهام القيادة.
يتكون هذا المجلس المؤقت من ثلاثة أعضاء رئيسيين هم: رئيس الجمهورية، ورئيس السلطة القضائية، وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور الذي يتم اختياره من قبل “مجمع تشخيص مصلحة النظام”. الهدف الأساسي من هذا التشكيل هو ضمان استمرارية إدارة شؤون الدولة، لا سيما في الملفات الحساسة، حتى يتم تثبيت القائد الجديد. ومن الجدير بالذكر أن هذا المجلس لا يتمتع بسلطات مطلقة مماثلة لسلطات القائد، إذ قيّد الدستور صلاحياته في القرارات المصيرية، مشترطاً حصوله على موافقة ثلاثة أرباع أعضاء مجمع تشخيص مصلحة النظام قبل اتخاذ أي إجراء في القضايا التالية:
- تحديد السياسات العامة للنظام.
- إصدار أمر الاستفتاء العام.
- إعلان الحرب أو السلام.
- عزل رئيس الجمهورية.
- عزل أو تعيين رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة، والقائد العام. للحرس الثوري، والقيادات العليا للقوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي.
كما ينص الدستور على أنه إذا عجز القائد مؤقتاً عن أداء واجباته بسبب المرض أو أي حادثة أخرى، فإن هذا المجلس الثلاثي يتولى مهامه بنفس الآلية والصلاحيات المحددة.
دور مجلس الخبراء
يُعد مجلس خبراء القيادة المؤسسة الدستورية الأهم في عملية انتقال السلطة القيادية. ويتحمل المجلس، الذي يُنتخب أعضاؤه مباشرة من الشعب، مسؤوليتين جوهريتين: الإشراف على استمرار توفر شروط القيادة في الشخص المتصدر للمنصب، واختيار القائد الجديد عند حدوث الشغور.
ويتمتع المجلس بصلاحية اختيار فرد واحد لمنصب القائد، أو في حال رؤية ذلك مناسباً، اختيار “مجلس قيادة” بديلاً عن الفرد الواحد. ومع ذلك، فإن التجربة العملية في الجمهورية الإسلامية منذ تأسيسها حتى الآن كانت تركز على نمط القيادة الفردية.
يضم المجلس حالياً 88 عضواً، ورئيسه الحالي هو الشيخ محمد علي موحدي كرماني، بينما يشغل هاشم حسيني بوشهري وعلي رضا أعراضي منصب نائب الرئيس. تجدر الإشارة إلى أن جميع أعضاء هذا المجلس قد خضعوا لعملية فحص صارمة من قبل مجلس صيانة الدستور قبل ترشحهم للانتخابات.
إجراءات انتخاب القائد الجديد
عند حدوث شغور في منصب القيادة، يُكلف مجلس الخبراء بعقد جلسة طارئة في أسرع وقت ممكن. ووفقاً للائحة الداخلية للمجلس، لا تعقد الجلسة إلا بحضور ما لا يقل عن ثلثي الأعضاء أي 59 عضواً. أما بالنسبة لآلية التصويت، فإن انتخاب القائد الجديد يتطلب موافقة ثلثي الحاضرين في الجلسة. هذا يعني أنه إذا حضر الحد الأدنى من الأعضاء 59 شخصاً، فإن تصويت 40 منهم يكفي لاختيار القائد الجديد، على الرغم من التوقع بأن يحضر الغالبية العظمى من الأعضاء لحدث مصيري كهذا. ويجب على جميع الأعضاء الحاضرين توقيع محضر جلسة الانتخاب.
شروط الترشيح وآلية الفرز
حددت المادة 109 من الدستور الشروط اللازمة لتولي منصب القائد، وهي:
- الكفاءة العلمية اللازمة للاجتهاد في مختلف أبواب الفقه.
- العدالة والتقوى اللازمتان لقيادة الأمة.
- الرؤية السياسية والاجتماعية الصحيحة، والتدبير، والشجاعة، والقدرة الكافية للقيادة.
ولضمان توفر هذه الشروط في المرشحين المحتملين، شكل مجلس الخبراء لجنة خاصة مهمتها دراسة وتقييم الأفراد الذين قد يُطرح اسمهم للقيادة. وكان الرئيس الأسبق لمجلس الخبراء، أكبر هاشمي رفسنجاني، قد كشف عن وجود هذه اللجنة لأول مرة عام 2015، مشيراً حينها إلى أن مجموعة من المتخصصين يقومون بدراسة مئات الأشخاص وتقييمهم سراً للتحقق من “أهليتهم” لقيادة البلاد في حال حدوث طوارئ.
صلاحيات المرشد وفق المادة 110 من الدستور
يتمتع قائد الثورة الإسلامية الإيرانية بسلطات واسعة جداً تجعله صاحب الكلمة العليا في الدولة، لا سيما في المجالات السيادية والدفاعية. وتحدد المادة 110 من الدستور هذه الصلاحيات، والتي تشمل:
1ـ تحديد السياسات العامة: تعيين السياسات العامة لنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد التشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام.
2ـ الإشراف: متابعة حسن تنفيذ السياسات العامة.
3ـ الاستفتاء: إصدار الأمر بإجراء الاستفتاء العام.
4ـ القيادة العسكرية: القيادة العامة للقوات المسلحة.
5ـ قرارات الحرب: إعلان الحرب والسلام والتعبئة العامة.
6ـ التعيينات والعزل: صلاحية تعيين وعزل وقبول استقالة كبار المسؤولين، وهم:
- فقهاء مجلس صيانة الدستور.
- أعلى مسؤول في السلطة القضائية.
- رئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون.
- رئيس أركان القيادة المشتركة.
- القائد العام لقوات حرس الثورة الإسلامية.
- القيادات العليا للقوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي.
7ـ حل الخلافات: حل الاختلافات وتنظيم العلاقات بين السلطات الثلاث (التشريعية، التنفيذية، القضائية)
8ـ حل الأزمات: حل مشكلات النظام التي لا يمكن حلها بالطرق التقليدية عبر مجمع تشخيص مصلحة النظام.
9ـ مصادقة الرئاسية: إمضاء حكم تنصيب رئيس الجمهورية بعد انتخابه من قبل الشعب.
10ـ عزل الرئيس: عزل رئيس الجمهورية مع مراعاة مصالح البلاد، بعد صدور حكم من المحكمة العليا بتخلفه عن واجباته القانونية، أو بعد رأي مجلس الشورى الإسلامي بعدم كفاءته السياسية (بناءً على المادة 89).
11ـ العفو أو التخفيف من عقوبات المحكوم عليهم ضمن الموازين الإسلامية، بناءً على اقتراح رئيس السلطة القضائية.
الأهمية الاستراتيجية للنص الدستوري
في ظل الظروف الراهنة التي تتميز بحساسية سياسية وأمنية عالية، يكتسب النص الصريح للدستور أهمية مضاعفة. ويرى خبراء القانون الدستوري أن الآليات الموضوعة في المادة 111 والمواد ذات الصلة مصممة بعناية لمنع أي حالة من عدم الاستقرار السياسي أو الفراغ الأمني. ويوفر وجود “مجلس شورى” مؤقت جاهز لتولي المهام فوراً، وكذا هيئة منتخبة تحت عنوان مجلس الخبراء مخولة بالاختيار النهائي، مساراً قانونياً واضحاً.
وبغض النظر عن التحليلات السياسية، فإن المرجعية الحصرية لاختيار القائد الجديد تعود قانونياً إلى مجلس الخبراء، الذي يجب أن يبادر إلى تشكيل جلساته وتطبيق الإجراءات المنصوص عليها في الدستور لضمان انتقال سلس للسلطة في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ إيران.

admin